نعمة الألم

7/5/2009

 

نعمة الألم

الألم ليس مذموما دائما ولا مكروه أبدا ، فقد يكون خيرا للعبد أن

يتألم.

إن الدعاء الحا يأتي مع الألم ، والتسبيح الصادق يصاحب الألم ،

وتألم الطالب زمن التحصيل وحمله لأعباء الطلب يثمر عالما جهبذا

، لأنه احترق في البداية فأشرق في النهاية. وتألم الشاعر

ومعاناته لما يقول تنتج أدبا مؤثرا خلابا ، لأنه انقدح مع الألم من

القلب والعصب والدم فهز المشاعر وحرك الأفئدة. ومعاناة الكاتب

تخرج نتاجا حيا جذابا يمور بالعبر والصور والذآريات.

إن الطالب الذي عاش حياة الدعة والراحة ولم تلذعه الأزمات ،

ولم تكوه الملمات ، إن هذا الطالب يبقى آسولا مترهلا فاترا.

وإن الشاعر الذي ما عرف الألم ولا ذاق المر ولا تجرع الغصص ،

تبقى قصائده رآاما من رخيص الحديث ، وآتلا من زبد القول ، لأن

قصائده خرجت من لسانه ولم تخرج من وجدانه ، وتلفض بها

فهمه ولم يعشها قلبه وجوانحه.

وأسمى من هذه الأمثلة وأرفع : حياة المؤمنين الأولين الذين

عاشوا فجر الرسالة ومولد الملة ، وبداية البعث ، فإنهم أعظم

إيمانا ، وأبر قلوبا ، وأصدق لهجة ، وأعمق علما ، لأنهم عاشوا

الألم والمعاناة : ألم الجوع والفقر والتشريد ، والأذى والطرد

والإبعاد ، وفراق المألوفات ، وهجر المرغوبات ، وألم الجراح ،

والقتل والتعذيب ، فكانوا بحق الصفوة الصافية ، والثقة المجتباة ،

آيات في الطهر ، وأعلاما في النبل ، ورموزا في التضحية ، { ذلك

بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولانصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا

يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا آتب لهم به

عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين } وفي عالم الدنيا

أناس قدموا أروع نتاجهم ، لأنهم تألموا ، فالمتنبي وعكته الحمى

فأنشد رائعته :

وزائرتي آأن بها حياء *** فليسن تزور إلا في الظلام

والنابعه خوفه النعمان بن المنذر بالقتل ، فقدم للناس:

فإنك شمس والملوك آواآب *** إذا طلعت لم يبد منهن آوآب

وآثير أولئك الذين أثروا الحياة ، لانهم تألموا.

إذن فلا تجزع من الألم ولا تخف من المعاناة ، فربما آانت قوة لك

ومتاعا إلى حين ، فإنك إن تعش مشبوب الفؤاد محروق الجوى

ملذوع النفس ، أرق وأصفى من أن تعيش بارد المشاعر فاتر

الهمة خامد النفس { ولكن آره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل

اقعدوا مع القاعدين }

ذآرت بهذا شاعرا عاش المعاناة والأسى وألم الفراق وهو يلفظ

أنفاسه الأخيرة في قصيدة بديعة الحسن ، ذائعة الشهرة بعيدة

عن التكلف والتزويق : إنه مالك بن الريب ، يرثي نفسه :

ألم ترني بعت الضلالة بالهدى *** وأصبحت في جيش ابن عفان

غازيا

فلله دري يوم أترك طائعا *** بنى بأعلى الرقمتين وماليا

فيا صاحبي رحلي دنا الموت *** فانزلا برابية إني مقيم لياليا

أقيما علي اليوم أو بعض ليلة *** ولاتعجلاني قد تبين ما بيا

وخطا بأطراف الأسنة مضجعي *** وردا على عيني فضل

ردائيا

ولا تحسداني بارك الله فيكما *** من الأرض ذات العرض أن

توسع ليا

إلى آخر ذاك الصوت المتهدج ، والعويل الثاآل ، والصرخة

المفجوعة التى ثارت حمما من قلب هذا الشاعر المفجوع بنفسه

المصاب في حياته.

إن الوعظ المحترق تصل آلماته إلى شغاف القلوب ، وتغوص في

أعماق الروح لأنه يعيش الألم والمعاناة { فعلم ما في قلوبهم

فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } .

لا تعذل المشتاق في أشواقه *** حتى يكون حشاك في

أحشائه

لقد رأيت دواوين لشعراء ولكنها باردة لا حياة فيها ولا روح لأنهم

قالوها بلا عناء ، ونظموها في رخاء فجاءت قطعا من الثلج وآتلا

من الطين.

ورأيت مصنفات في الوعظ لا تهز في السامع شعرة ، ولا تحرك

في المنصت ذرة ، لأنهم يقولونها بلا حرقة ولا لوعة ، ولا ألم ولا

معاناة ، { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } .

فإذا أردت أن تؤثر بكلامك أو بشعرك ، فاحترق به أنت قبل ، وتأثر

به وذقه وتفاعل معه ، وسوف ترى أنك تؤثر في الناس ،{ فإذا

أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من آل زوج بهيج } .

 

Tags : BF
Category : DIVERS متعدد | Write a comment | Print

Comments